الغموض في الشعر العربي المعاصر

الغموض في الشعر العربي المعاصر Aai_ao10

الغموض

يُعرّف الغموض في الشّعر العربيّ المعاصر أنّه سمةٌ جماليّة تسمحُ لرصد عددٍ كبيرٍ من ردودِ الفعل الشّخصيّة حولَ كلّ قطعةٍ لغويّةٍ واحدةٍ، فيحتاج القارئ فيها إلى مكابدةٍ وتأمّلٍ طويلٍ للوصول إلى الأسرار والخبايا، وقد ظهر الغموض لاختلاف الأساليب الشّائعة في العصر فقد كان استعمال المجاز والاستعارة في اللغة يؤدّي إلى الغموض الجزئيّ الّذي يُدرَك بعد التّأملِ الدّقيق، وفي العصر الأدبي الحالي أعرضَ الكتّاب عن هذه الأساليب وأتَوْا بشيْءٍ جديدٍ، وهو التّراكيب الشّموليّة الّتي تحتملُ التأويل، ووُظِّف الرّمز للغموض، فكأن الرّمز تطوّرٌ من غموضٍ بسيط إلى غموضٍ كليٍّ، وأصبح النّصّ مفتوحًا، تلغى فيه الذّات الشّعوريّة، فلا تظهر فيه الانفعالات، وينفصل فيه الكاتب عن القارئ، فتتعدّد قراءة النّص دون الوصول إلى مضمونه. [١]

الغموض في الشعر العربي المعاصر

الغموض في الشّعر العربي المعاصر ظاهرةٌ أدبيّةٌ فرضتْ نفسها، فاهتمّ النّقادُ بالبحثِ والتحرّي عن أسباب هذه الظّاهرة، وأخذ كلّ ناقد ظاهرة من هذه الظّواهر لدراستها، وقد رأى أنطوان غسَّان أنَّ للغموض ثلاثةَ أسباب جديرة بالذّكر، وهي: [٢]

  • أسباب مُتعلّقة بالقارئ، فقارئ الشّعر العربي الحديث في العصر الحالي على عجلٍ دائمًا، فالحضارة الماديّة الحديثة لم تَدَعْ له وقتًا كافيًا للنّظر أو التّروي أو التّأمل الهادئ أو التّفكير العميق، لذلك اتّسعت الهُوة بين الشّاعر والقارئ.

  • مُتعلّقة بالقصيدةِ نفسِها: فهي تُكتب في ظروفٍ خاصّة، وملابساتٍ معيّنة، فإذا تغيّرت الأزمان وتغيّرت الظّروف؛ تحوّلت المعاني وصارت لها دلالات مبهمة، فتبدلت القصيدة إلى الغموض.

  • أسباب مُتعلّقة بالشّاعر ومذهبه الفكّريّ والشّعريّ: فالرّمزيون مثلًا يعتقدون أنّ المعنى في القصيدة ليس واحدًا محدّدًا؛ لأنّ الكلمات في رأيهم لا تؤدّي معنًى واحدًا خاصًّا.

مظاهر الغموض في الشعر العربي المعاصر

لجأ الشّاعر إلى الغموض ابتعادًا منه عن التّقليد والبساطة، وعمل على تكثيف الصّور الخياليّة وتقحيم المشاعر والانفعالات، فتلوّن نصوصه بضبابيّة غموضيّة، ومظاهر الغموض في الشّعر العربيّ المعاصر كثيرة، منها: [٣]

  • البناء الفنّي الجديد: أثار الشّاعر في البناء الجديد الصّور في خيال القارئ دون أيّ توضيح، تاركًا له حرية التّحليق في المعاني والصّور، ثمّ إنّه ضمّن نصّه صورًا كثيرةً متفاوتةً في البعد.

  • تكثيف دلالة الألفاظ والتّراكيب: أدّى تكثيف دلالة الألفاظ والتّراكيب بدوره إلى تكثيف دلالة السّياق، فظهر الغموضُ في كليّة النّص، كما أنّه فرّغ الألفاظ والتّراكيب من مدلولاتها، وأعطاها مدلولًا جديدًا.

  • التّمازج بين اللّغات: ظهر التّمازج بين اللّغات في أشعارهم فأوردوا فيها كلمات فرنسيّة أو إنجليزيّة، وأدخلوها ضمن القصائد العربيّة.

  • المفارقة في الأفكار: المفارقة هي صيغةٌ مــن صيغ التّعبير اللفظيّ، تفترض من القارئ للشّعر ازدواجيّة الاســتماع، أيّ أنّ الكلام هنا يهدف إلی معنًی آخر غير مباشر يقصده الكاتب، وهو معنًی بعيد، مناقضٌ للمعنی الحرفيّ المعروف.

  • الاعتماد في القصائد على الإيقاع الموسيقيّ للألفاظ: تحدّث كمال أبو ديب عن الإيقاع الموسيقيّ في الشّعر الحديث: بأنّه التّفاعل الّذي ينتقل إلى القارئ مرهف الشّعور، مع إحساسه بحركةٍ داخلةٍ في القصيدة ذات الحيويّة المتصاعدة.

المراجع

1 . ↑ د.عبد العليم محمّد إسماعيل علي (2011)، ظاهرة الغموض في الشّعر العربي الحديث (الطبعة الأولى)، القاهرة: دار الفكر العربيّ، صفحة 22-25. بتصرّف.

2 . ↑ عبد الله خضر حمد (12-12-2017)، قضايا الشّعر العربيّ الحديث (الطبعة الأولى)، بيروت-لبنان: دار القلم ، صفحة 250-260. بتصرّف.

3 . ↑ د. كمال أبو ديب (1981 م)، البنية الإيقاعيّة في الشّعر العربيّ (الطبعة الثّانية)، بيروت: دار العلم، صفحة 230-233. بتصرّف.