تصفية الاستعمار وبروز العالم الثالث

تصفية الاستعمار وبروز العالم الثالث 265211149

عانت شعوب إفريقيا وجنوب آسيا غداة الحرب العالمية الثانية من وطأة الاستعمار ، حيث تأسست بأقطارها إمبراطوريات استعمارية بريطانيا ،فرنسية ،هولندية ،بلجيكية ،اسبانية ،برتغالية بالإضافة الى المستعمرات الايطالية تحت الوصاية الأممية ،فدفعها وعيها الوطني بالاستغلال الى المقاومة من اجل الاستقلال الذي تحقق على مراحل بين 1945 و 1975 .وقد تميزت هذه الظرفية أيضا بانعقاد مؤتمر باندونغ باندونيسيا في ابريل 1955 الذي افرز منظومة دولية جديدة عرفت بدول العالم الثالث ،تأسست على إثرها حركة عدم الانحياز التي ناضلت من اجل تصفية الاستعمار والتخلف والتخفيف من التوتر بالتزام الحياد في الحرب الباردة بين القطبين .وفي هذا الإطار أحدثت عدة تكتلات إقليمية كانت من بينها منظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي .

فما هي الظرفية التي تمت فيها تصفية الاستعمار،
والخصوصيات التي ميزت حركاتها الاستقلالية ؟
ما المقصود بالعالم الثالث وحركة عدم الانحياز ؟
وماهي أهم التكتلات الإقليمية التي ظهرت في العالم الثالث ؟


خلفت موجة الاستغلال الاستعماري بإفريقيا وجنوب آسيا أوضاعا اقتصادية واجتماعية متردية بالنسبة لشعوب المستعمرات ،مما ولد شعورا قويا بضرورة مقاومة الاحتلال والحصول على الاستقلال ،فتصاعدت حركات التحرير الوطني ونما الوعي الاجتماعي القومي ضد الاستعمار.

وقد ساهمت بعض المواقف الدولية في التعجيل بتصفية الاستعمار ،وخاصة موقف الدول الكبرى ( الو.م.ا وبريطانيا ) في الميثاق الأطلسي 1941 ،وموقف الأممية الاشتراكية التي لعبت دورا في انتشار الوعي التحرري بالعالم كما جاء في تصريح زعيم الحركة الاستقلالية الفيتنامية هو شي منه في يوليوز 1960 ،ثم موقف هيأة الأمم المتحدة التي أصدرت قرارات صريحة في هذا الشأن منها :

* القرار الأممي 14 دجنبر 1964 : نص على انشاء لجنة تصفية الاستعمار من 244 دولة تمثل القارات الخمس .

* صدور العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 16 دجنبر 19666: منح الشعوب الحق في حريتها وتقرير مصيرها وفي اختيار نظامها السياسي ومواصلة نموها بحرية ، كما طالب الدول الاستعمارية برعاية هذا الحق ووقف العمليات العسكرية ضد المقاومة الوطنية .

* وقد لعبت الحركة الوطنية الهندية بزعامة المهاتما غاندي دورا أساسيا في نشر الوعي بقضايا الاستعمار بفضل سياستها الخارجية المبنية على السلم والديمقراطية وعلى معاداة الفاشية والاستعمار .


خصائص الحركات التحررية (السلمية والمسلحة) من خلال نموذجي الهند وأنغولا:


* استقلت الدول الأسيوية والإفريقية بعد ح.ع.2 عبر ثلاثة مراحل :

* مرحلة بين 1946 و1960 : تميزت باستقلال معظم دول جنوب شرق آسيا ،إضافة الى بعض دول إفريقيا مثل ليبيا في 1952، المغرب وتونس1956،غانا1957 وغينيا 1958 .

* مرحلة 1960 : حظيت فيها بلدان إفريقيا الوسطى والغربية بالاستقلال من وطأة الاستعمار الفرنسي .

* مرحلة ما بعد 1960 : تحقق فيها استقلال الجزائر 1961 ،الموزمبيق، وبقية دول جنوب إفريقيا+ اليمن ،البحرين ،سلطنة عمان ،الإمارات،الكويت وبروناي وغينيا الجديدة بجنوب شرق آسيا في 1975.

* وقد اعتمدت الشعوب في نضالها ضد الاحتلال أساليب تنوعت ما بين المقاومة السلمية (الهند) والمقاومة المسلحة (انغولا) :

بالهند : واجهت الحركة الوطنية الهندية بزعامة حزب المؤتمر الوطني الذي تأسس على يد غاندي سنة 1885، والرابطة الإسلامية المؤسسة بالباكستان سنة 1906 تحت زعامة علي جناح، سياسة الاحتلال البريطاني بمقاومة سلمية قادها المهاتما غاندي وتحددت مظاهرها في :

* نهج سياسة العصيان المدني وعدم استعمال العنف خلال سنتي 1930 و1942 ،حيث دعا غاندي الهنود الى الاعتماد على إمكاناتهم الذاتية ومقاطعة البضائع البريطانية ومختلف أشكال التعامل مع الانجليز بما في ذلك الإضراب عن العمل .

* المشاركة الواسعة لمختلف مكونات المجتمع الهندي وخاصة المرأة الهندية التي أبانت عن تفوقها النضالي وانخراطها في التأطير الذي قامت به الأحزاب السياسية.


وبفضل هذه الخطة ،أجبرت بريطانيا على الوعد بالاستقلال سنة 1939 ، الذي ترجم الى استقلال فعلي في فبراير 1947 ،غير أن مطالبة الباكستان بالانفصال عن الهند أفضى الى انعقاد مؤتمر دلهي في نفس السنة بين علي جناح وآل نهرو اللذان خرجا بتسوية بشان حدود الدولتين .

بأنغولا : رد الانغوليون عن قرار اعتبار البرتغال انغولا مقاطعة برتغالية سنة 1951 بتأسيس أحزاب سياسية (الحركة الشعبية لتحرير انغولا 1956 M.P.L.A،الجبهة الوطنية لتحرير انغولا 1962 F.N.L.A والاتحاد الوطني لاستقلال انغولا التام سنة 1964 U.N.I.T.A )التي تقدمت بمطالب منها احترام وحدة شعب انغولا ،إلغاء الامتيازات والإقرار بالحق في التعليم ،محاربة البطالة وضمان المساواة بين الرجال والنساء دون تمييز عرقي أو ديني كما رفعت شعار إفريقيا للأفارقة .وهي مطالب تضمنها ميثاق اتحاد سكان انغولا الصادر في 1959 ،لكن رفض الاستعمار البرتغالي هذه المطالب أدى الى تشكيل حكومة في المنفى سنة 1963 والى اللجوء الى الكفاح المسلح،فشنت المقاومة هجمات عنيفة على القوات البرتغالية سنة 1966 وعجلت وحدة الجبهة الشعبية والحركة الوطنية سنة 1973 وثورة القرنفل البرتغالية سنة 1974 التي أطاحت بنظام سالاراز الديكتاتوري، بتوقيع اتفاق الفور Alvor سنة 1975 الذي اعترفت باستقلال.

خصائص العالم الثالث وحركة عدم الانحياز ونماذج التكتلات الإقليمية لهذه المجموعة الدولية


* العالم الثالث وبعض خصائصه:ظهر مصطلح العالم الثالث سنة 19522 من قبل الصحافة الغربية .وقد أطلقت هذه التسمية على مجموع الدول الحديثة العهد بالاستقلال التي تعاني من مشاكل ديمغرافية واجتماعية و اقتصادية ،والتي تغطي مجاليا قارة إفريقيا ، أمريكا الوسطى والجنوبية ودول وسط وجنوب افريقيا وهي أقطار تشترك في خصائص أهمها :

* ديمغرافيا واجتماعيا : توفرها على77% من سكان العالم سنة 19500 وعلى خصوبة مرتفعة وأمد حياة جد منخفض 47.4 سنة كما تطبع أهرامها السكانية الفتوة وارتفاع نسبة الأمية الى ما بين 60 ٪ 80٪ ،مع تسجيل ضعف في الخدمات الطبية (طبيب واحد لكل 40.000 نسمة )،وتهددها الهجرة القروية والانفجار الحضري ومشاكل الفقر والبؤس الاجتماعي نتيجة سوء توزيع الثروات وتفاقم الفوارق الطبقية .

* اقتصاديا: تعاني بلدان العالم الثالث من ازدواجية القطاعات الاقتصادية وعدم تكاملها ومن اعتمادها على صادرات خامات المعادن ومصادر الطاقة والمواد النصف مصنعة +عدم قدرتها على تحقيق اكتفائها من المنتجات الغذائية وأخيرا معاناتها من ارتفاع المديونية الخارجية وضعف الاستثمارات ومن التبعية الاقتصادية وفشل استراتيجيات التنمية .

* سياسيا :عدم الاستقرار السياسي نتيجة الحروب الأهلية والانقسامات السياسية الداخلية والصراعات الحدودية الموروثة عن العهد الاستعمار

* بسبب هذه التحديات تكرست وضعية تخلف بلدان العالم الثالث وتعمقت أزمتها ،فصارت أداة طيعة بيد الدول الكبرى تقوم باستغلالها سياسيا،اقتصاديا وبشريا وتعتبرها أسواق استهلاكية لفائض إنتاجها ومجالا لتنمية ثرواتها على حساب خيرات هذه الأقطار الضعيفة.


ظروف تكوين حركة عدم الانحياز وأهدافها واهم أجهزتها

* تأسست حركة عدم الانحياز على يد مجموعة من الدول الحديثة العهد بالاستقلال ومن بينها المغرب على اثر إعلان مؤتمر باندونغ المنعقد بين 18 و 24 ابريل 1955 ، وفاق عدد أعضائها 76 دولة في مؤتمر دلهي 1973 . وتعود أسباب قيام هذه الحركة الى عدة اعتبارات منها الوقوف في وجه الهيمنة الاستعمار +خلاق علاقات جديدة قائمة على العدل بين الدول والشعوب +مساعدة الشعوب على التخلص من نير الاستعمار والاهتمام بحل الخلافات والمشاكل الدولية بالطرق السلمية ،وجعلت منها قوة موازنة في الحرب الباردة بين القطبين ،حيث أعلنت رسميا عدم الانسياق وراء الاستقطاب الدولي.ومن بين مؤسسي هذه الحركة ولي العهد آنذاك الحسن الثاني ،جمال عبد الناصر عن مصر جواهر أل نهرو رئيس وزراء الهند ،الزعيم اليوغوسلافي تيتو ،رئيس اندونيسيا احمد سوكارنو ورئيس غانا نكروما كوامي .

أحدثت الحركة أجهزة خاصة بها تمثلت في مؤتمر القمة ،مؤتمر وزراء الخارجية ومكتب التنسيق .كما قامت على أهداف ومبادئ اعتبرتها شروطا أساسية في العضوية أهمها :

* نهج الدولة العضو سياسة مستقلة قائمة على التعايش بين النظم السياسية والاجتماعية المختلفة.

* دعم حركات التحرر والاستقلال ومحاربة الاستعمار الجديد.

* عدم الانخراط في حلف عسكري متعدد الأطراف تابع لأحد القطبين وعدم الارتباط بأي اتفاق مع أي منهما .

* عدم السماح بإقامة قواعد عسكرية أجنبية بأقاليمها وأراضيها.


وقد تبلورت هذه المبادئ والأهداف من خلال المؤتمرات المنعقدة وما تضمنته من قرارات وخاصة مؤتمر بلغراد 1961 الذي أقرت فيه 21 دولة مشاركة ، بحق الشعوب في تقرير مصيرها وبالتخلص من القواعد العسكرية الأجنبية + مؤتمر القاهرة 1964 الذي جاء بقرار مساعدة قوى التحرر في العالم وتدعيم التنمية الاقتصادية بين دول الحركة +مؤتمري لوساكا بزامبيا 1970 والجزائر 1973 اللذان تضمنت قراراتها دعم السلم العالمي وحركات التحرر والالتفاف الى وضع دول العالم الثالث الاقتصادي ودعم مسلسل التنمية به.

جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية نموذجين للتكتلات الإقليمية في العالم الثالث


* جامعة الدول العربية :انبثقت الجامعة العربية كتكتل إقليمي وجهوي عن برتوكول الإسكندرية الموقع عليه في 77 أكتوبر 1944 من طرف الدول العربية المستقلة وهي مصر، السعودية ،العراق، سوريا، لبنان ،الأردن واليمن الشمالي، في ظروف كانت فيها المنطقة العربية معرضة لنير الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي.وقد تأسس هذا التكتل من اجل توطيد أواصر التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي بين الأقطار العربية (22 دولة حاليا ) ،وتدعيم هذه الروابط في المستقبل شريطة التزام الأسلوب السلمي في حل النزاعات بين الدول والأعضاء واحترام أنظمة الحكم الخاصة بكل بلد.وقد أحدثت الجامعة أجهزة لها لكل منها وظائفها ومهامها تتمثل في :

* مجلس القمة : يعقد اجتماعين كل سنة + يمثله ملوك ورؤساء الدول العربية + يصادف على القرارات

* مجلس الجامعة العربية : تمثل الدول الأعضاء + يقر مشروع الميزانية + تعيين الأمين العام + يحدد جدول أعمال مجلس القمة

* الأمانة العامة : يرأسها الأمين العام + تسيير إدارة الجامعة + مقرها بالقاهرة

* اللجان الفنية : يمثل كل عضو فيها + بمندوب أو أكثر + تقوم بإعداد الاتفاق والمشاريع .

* وقد جعلت الجامعة من بين أهدافها محاربة الاستعمار وتحرير سائر الأقطار العربية من الامبريالية الأجنبية وربط الصلة بعناصر المقاومة الوطنية مع بلدان المغرب الكبير .

* منظمة الوحدة الإفريقية :تأسست على اثر قمة أديس أبابا في 25 ماي 19633 بعد ما تم التمهيد لها من طرف منظمة دول الدار البيضاء المؤسسة بالمغرب في يناير 1961 ومن طرف الاتحاد الإفريقي الملغاشي في نفس السنة .


تسير المنظمة ثلاث أجهزة رئيسية هي :


* مؤتمر رؤساء الدول والحكومات : يمثل السلطة العليا + يصدر القرارات بأغلبية الثلثين + يرسم السياسة العامة.

* مجلس وزراء الخارجية : يحضر اجتماعات القمة + يشرف على تنفيذ القرارات.

* الأمانة العامة : يرأسها الأمين العام + تشرف على الجهاز الإداري.

* أما أهم مبادئها وأهدافها فتقوم على العمل على محاربة جميع أشكال الاستعمار بإفريقيا + تنمية التعاون الإفريقي +الحرص على المساواة بين كافة أعضاء المنظمة + احترام سيادة وحدود كل دولة + تسوية الخلافات بالطرق الودية ونهج سياسة عدم الانحياز في إطار صراع القطبية الثنائية.


خاتمة :شكلت تصفية الاستعمار وبروز العالم الثالث وحركة عدو الانحياز وما ترتب عنها من تكتلات إقليمية إحدى المظاهر الأساسية التي ميزت العالم بعد الحرب ع.2 في ظل نظام القطبية الثنائية ،وقد لعبت هذه الدول رغم ضعفها ومشاكلها وتحدياتها دورا مهما في التخفيف من حدة التوثر الدولي الذي عرفه العالم بعد 1954 م.